الثعلبي

26

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يحكم بحكم الرأس . وكذلك من الوجه . والثاني : أنه يجب غسله ، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية ، لأن الوجه ما يواجه به ، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر . ومن الحديث قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه ، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته . وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين . فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين في الوضوء ، و إِلى - هاهنا - بمعنى الحدّ والغاية ، ثم استدلوا بقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ « 1 » والليل غير داخل في الصوم ، وقال سائر الفقهاء : يجب غسلهما و ( إِلى ) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ « 2 » وقوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 3 » وقوله مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ * « 4 » . وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس . فقال مالك والمزني : مسح جميع الرأس في الوضوء واجب . وجعلوا الباء بمعنى التعميم ، كقوله عز وجل فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ « 5 » وقوله وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ « 6 » . وقال أبو حنيفة : مسح ربع الرأس واجب . أبو يوسف : نصف الرأس ، الشافعي : يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس ، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحا أجزأه ، واحتج بقوله وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ، وله في هذه الآية دليلان ، أحدهما : مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [ اللسان ] ماسحا رأسه . فصار مؤديا فرض الأمر . والثاني : إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل

--> ( 1 ) سورة البقرة : 187 . ( 2 ) سورة النساء : 2 . ( 3 ) سورة التوبة : 125 . ( 4 ) سورة آل عمران : 52 . ( 5 ) سورة المائدة : 6 . ( 6 ) سورة الحج : 29 .